تحت الضوء--نظرية "واقعية الكم" للفنان العراقي محمود صبري"

المقاله تحت باب  محور النقد
في 
24/03/2010 06:00 AM
GMT



كل ما لا يرى في الطبيعة يمكن أن يكون موضوعا مرئيا للرسم!

في رسالته إلى الفنان ضياء العزاوي، تضمنها ملف خاص عن الفن التشكيلي العراقي، نشر في مجلة "المثقف العربي"، 1971، كتب الفنان محمود صبري: "أستطيع أن أقول إنني وجدت الحل، إذ بالطريقة نفسها التي يقوم العلم فيها الآن بتحليل الطبيعة ووصفها في الأعماق، بعدما قام بتحليلها ووصفها من مظهرها الخارجي، فقد طورت طريقة يستطيع الفن فيها أن يقوم بوصف الطبيعة من الأعماق... لقد هيأت بحثاً حول الموضوع".
بحثه ذاك كان يعني أطروحته النظرية التي سمّاها "واقعية الكم... فن جديد لعصر جديد"، عرّف بها في معرضه الشخصي الأول في براغ عام 1971، وهي المدينة التي أقام فيها بعد موسكو منذ عام1964 .

محمود صبري، عضو "جماعة الرواد"، من أوائل الفنانين الذين هاجروا من العراق، بأسباب الثورات وتصحيح الثورات والتغيرات السياسية الصادمة التي عصفت بهذا البلد. كان يساريا، وشغل بعد إطاحة النظام الملكي وقيام الجمهورية الأولى في العراق عام 1958، موقعا رسميا شديد الغرابة بالنسبة الى فنان: مدير مصرف الرافدين! كان متخصصا في العلوم الاجتماعية التي درسها في انكلترا، فيما كان الرسم اهتماما واظب على تعلمه وإجادته بشكل ذاتي وتفرغ له منذ بداية الستينات من القرن المنصرم.

ما قبل تأثره بنصيحة الشاعر والكاتب المسرحي الألماني برتولد بريخت، الداعية الى ضرورة انشغال الخلاّق بأحد العلوم التجريبية الحديثة من اجل أدراك العالم على نحو إبداعي أكثر عمقا، كان صبري مهتما بهذا العالم في وصفه ظاهرة اجتماعية، طبقية، تصارع من اجل الاستقلال والحرية، خلاصها هو الثورة. كتب عام  1958 بعد قيامها: "إننا من المستحيل أن نتجنب الثورة الاجتماعية في أعمالنا الفنية لأن الجماهير كانت تتطلع دوما بثبات نحو التحرر والانعتاق".
استهلال يعاين المكانة الريادية للفنان محمود صبري في المحترف التشكيلي العراقي، إلى جانب الفنانين فائق حسن، جواد سليم، شاكر حسن آل سعيد، باعتباره مؤسسا للوحة التي اتخذت الدلالة  الاجتماعية والسياسية وفعل الالتزام في الفن موضوعة لها. كانت لوحتا "الشهيد" و"ثورة الجزائر" من اللوحات التي وثقت اتجاهاً كهذا في الإنتاج الفني العراقي. كتب عنه الروائي والناقد جبرا إبرهيم جبرا: "كانت معاناة الفنان أيامئذ سياسية في بعضها، ووجودية في بعضها الآخر، فجاءت معالجته للموضوعات الاجتماعية مليئة بالألم والاحتجاج والغضب، من دون أن يأبه كثيرا لقضايا الأسلوب والتراث التي كانت تشغل بال الفنانين الآخرين"، فيما وصفه آل سعيد بأنه كان "رساما تعبيريا من حيث الأسلوب وماديا من حيث الرؤية الفنية". 

التباس القصد
خلال نصف القرن الماضي، لم يكن محمود صبري حاضرا بقوة في المحترف الفني، إلا في مناسبتين تفصلهما أربعة عقود من الزمن تقريبا، الأولى كانت شديدة الواقعية، بينما الثانية استذكارية وتكاد أن تكون افتراضية، حين تم الاحتفاء به لبلوغه الثمانين من العمر وعلى أيدي كتاب وتجمعات ثقافية عراقية، في المهجر، وبكلمات مشحونة بتبجيل وثناء لم يخلوَا من الشكوى والمزاعم بذريعة النكران. لقد كان للعديد منهم ذلك "الرفيق العزيز" الذي تتطلب الإشادة به استحضار لازمة أخلاقية اسمها الوفاء. ما هو واقعي، تنظيم معرضه الشخصي، الأول والأخير، في بغداد عام 1973، بعدما غادر حضوره في المشهد التشكيلي لمدة تجاوزت العقد قبل هذا التاريخ. أقيم المعرض في قاعة "غولبنكيان"، التي سميت لاحقا بالمتحف الوطني للفن الحديث، وفي الثمانينات، إثناء الحرب العراقية - الإيرانية، في "قاعة النصر".
كان التعريف بنظريته "واقعية الكم" التي شكلت اكتشافا نظريا جريئا، ومعرضه الذي جاء تطبيقا بصريا لها، قد أحدث واقعة جمالية مربكة بحق، أثارت تجاذبا نقاشيا، ترددت أصداؤه في عديد المقالات المنشورة.

إن المتابع لتاريخ ما حصل، لا يستطيع إلا عقد العديد من المقارنات. كانت نظريته قد شيدت على أركان معرفة متنوعة، مستعينة بالانثروبولوجيا والايديولوجيا وتاريخ الفن والعلم، كشهادات لضبط افتراضاتها، وجعلها بمثابة بعد تنظيري وبحثي لها ومقدمات لتحديد وظيفتها المعرفية والجمالية. في مقابل خبرات بصرية وثقافية محلية لمثقفين وفنانين، كان الكثير من عدتها مستعارا من القاموس الأدبي وأوصاف البلاغة ودربة الدرس الفني. علاقة أخلصت وقتئذ إلى اعتبارها تجربة فنية جادة تستحق الإطراء الذي لم يتجاوز مراجعات الصحافة ونقاشات القاعدة الثقافية الضيقة الحدود.
تضمنت النظرية كذلك، إلغاء نوعيا للتراث الفني الماضي، الوطني والعالمي، فيما كان المحتوى البصري للمحترف الفني  العراقي بإنتاجه يكرس احتفاءه بالمكان الوطني وبمفردات صورية تبنت نزعة تجريبية لا تخلو من حداثة، تعاين مثل هذا المكان بوصفه واقعا غنائيا، تحتفظ الإشكال فيه بانشغالات الأصالة، التي لا يمكن تحققها إلا بالعودة إلى التراث الحضاري والمحلي. وهو خطاب كان محميا، أيضا، بنفوذ المؤسسة القومية المهيمنة. عدا أن الكثير من مثقفي اليسار، الشعراء والأدباء وحتى الفنانين، كانوا غير راغبين بقبول تلك الدهشة التي جاء بها محمود صبري، ليس أقلها دواعي الشعور بخيبة ظن إيديولوجية، حينما اختفت تلك الموضوعة الثورية من لوحاته: القبضات المرفوعة، رايات الاحتجاج، الكدح الإنساني المشرّب بتعاسة واقعية، الإشكال الناحلة، الجموع المتراصة وهي تودع الشهداء. جميع تلك الإعمال الفنية، بتعبيريتها الحزينة والمنفذة غالبا بالأسود والأبيض، قد تم استبدالها بمشهدية فنية، ألغت مبدأ الواقعية التقليدية، مشكِّلةً وجودها الصوري من صياغات تجريدية، هندسية صارمة.   

فيما كان الفنانون عديمي الثقة من أن الأفكار الكثيرة قادرة على صناعة لوحة مؤثرة، كان سؤالهم: ما دخل العلم بفن الرسم، وكيف يمكن أن يكون عنوان اللوحة مستمدا من معادلة كيميائية؟
اعتراضات وأسئلة وأسباب وأحكام، بعضها غير مدرب على تقويم النظرية، كرّست فهما شديد الالتباس، أثّر كثيرا في تأصيل تجربة، احتفظت بأفكار وإنتاج شديدي الفرادة، في فضائها الثقافي والفني الوطني. كانت ككل اكتشاف معرفي وجمالي متألق، يبدأ ليعمل خارج التوقعات.

تثمين المعنى
أحد افتراضات النظرية تعلّق بسؤال أشكالي وسجالي، أعتبر المنجز الجمالي الغربي منذ الإغريق حتى موندريان الذي لن يستطيع احد الذهاب ابعد من حداثته، فناً بات في عداد الماضي، كونه ليس سوى خلاصة تعبيرية لحضارة زراعية، انهارت رؤيتها التقليدية للطبيعة عند نهايات القرن التاسع عشر. حتى الأساليب الطليعية وخصوصاً ما جاءت به التجريدية والاتجاهات اللاشكلية للفن الحديث، وصلت إلى طريق مسدود، ولم تعد قادرة على تمثيل عصر يشهد تحولات مغايرة أكثر علمية وتجريبي: عصر الذرّة والتفاعلات الجارية في المختبرات والتقانة التي أصبحت ترفدنا باحتياجاتنا المادية والجمالية والروحية على حد سواء. فالعالم لم يعد مشهدا خلويا، انه كيان عمليات. المرئي ليس ما نشاهده فقط بل ما لم نشاهده أيضا. لا بد إذاً من فن آخر لا يعاين الثابت بوصفه ساكنا وإنما متحولا باستمرار، بعد تمثله روح المعرفة المعاصرة وإنسانها الذي يقف على عتبة عالم جديد لم يشهده من قبل. 
 
يقرّ محمود صبري بعجز الفن الحديث في التعبير عن هذه المعرفة العلمية للإنسان الجديد أو فهمه الواقع الذي كشف عنه العلم، فاتجاهاته لم تتقدم سوى بأشكال تجريدية ذهنية، نابعة من الضرورة الداخلية للإنسان، كما هي الحال في أعمال الفنان كاندنسكي، أو من الفكرة المجردة الخالصة التي مثلتها لوحات موندريان.
تجارب ألغت مهمة الفن بكونه أداة لمعرفة الطبيعة، أو محاولته تسخيرها، فكريا، لاحتياجه الإنساني.

تقوم نظريته على "مبدأ" علمي جاءت به الفيزياء الحديثة، في بدايات القرن الماضي، أكد أن العالم ليس كيانا جامدا وموجودات ساكنة بل وجود في حالة صيرورة دائمة، مؤتلف من تعالق بين الكتلة والطاقة داخل المادة وتحولاتها في الطبيعة،   
حيث تحققت طبيعة التفكير الجديد هذه بتأثير اكتشافات ثلاثة: أشعة اكس، النشاط الإشعاعي، والإلكترون، ما جعل الإنسان ينتقل خلالها من متحرٍّ لـ"المواضيع" كما كان عليه في عصور سابقة، إلى إنسان جديد، يصفه صبري بـ"متحرٍّ للعمليات". اكتشافات أزاحت تقاليد عاشها الإنسان في الحضارة الزراعية، بفعل  انبثاق حقيقة جديدة، مغايرة، شكلت حالة متطورة بلغها المجتمع الإنساني والمتمثلة في اكتشاف الذرّة.

كان مطلع القرن العشرين مشبعا بما يمكن تسميته بحتمية اجتياز "الحدود" إلى عمق جديد مجهول من الواقع الموضوعي. كتب محمود صبري أن "الواقع الجديد يمتد إلى أبعاد تتجاوز التجربة الحسية المباشرة للإنسان" ويكشف عن "خصائص جديدة لأوجه جديدة من المادة". ففي رأيه أن القياسات والصفات والكميات التي اعتادها الإنسان الزراعي لم تعد مناسبة، فالقيم الجديدة تتجاوز أي شيء يمكن خيال الإنسان الزراعي تصوره. لقد استخدم العلم أدواته الجديدة وطريقته في استقصاء هذا الواقع الجديد.

دعا صبري في عصرنا "ما بعد الصناعي" أو التكنو نووي، كما أطلق عليه، إلى استحداث وظيفة مبتكرة للفن تساعد في فهم العالم، وتقوم على إيصال الحقيقة العلمية الجديدة والمتمثلة  في اكتشاف المادة كنظام عمليات، بعدما تم التعبير عنه  بمعادلة اينشتاين الشهيرة: "الطاقة = الكتلة × مربع سرعة الضوء" ، التي ألغت الشكل المرئي للشيء/ الكتلة، لتحل محلها المادة/ الطاقة، وهو الأمر الذي يدعو بالرجوع إلى تركيبها الذري في الطبيعة. هكذا تحلّ استلهامات "واقعية الكم"، باتخاذها الطاقة بدلا من  الكتلة، والذرة بدلا من الشيء المنظور، والعمليات بدلا من  الموضوعات الجاهزة، والطيف الذري بدلا من الشكل. 
فن جديد تبنى صفة جديدة ومصدراً مختلفاً وفهماً جدلياً آخر للطبيعة، في عصر يضع أسسا لإعادة صنعها. إن فنا كهذا كي يكون خلاقا لا بد له من أن يتأصل في مدلولات العلم.
يتشكل المبدأ الثلاثي لـ"واقعية الكم" كمفردات وتراكيب للفن الجديد من:
- الكم: بوصفه الوحدة الأولية للطاقة وهو يعادل اللون.
- الذرة: تركيب مكوّن من مجموعة من الكمّات، وينبثق تفردها الشكلي من تركيبها وتكوينها الطيف.
- العمليات التركيبية: العمليات والتفاعلات الذرية المختلفة التي تتكون منها المواد، والتي تتعامل معها واقعية الكم بوصفها عمليات وليس أشياء.
بأثر ذلك لا يرسم الماء في "واقعية الكم" بكونه سائلا مرئيا محسوسا، بل حالة تفاعل جزءين من الهيدروجين وجزء من الأوكسيجين ، كما هو رمزه الكيميائي H2O.
بمثل هذه المفردات والتراكيب بوصفها حروفا أبجدية للغة فن جديد، يهمل الرمز الصوري للغة الفن القديم وتعقيداته الذاتية التي حفلت بها أعماله، وتستبدل بعمليات رياضية، تجعل من فن كهذا نشاطا موضوعيا يمارس دقة العلم الطبيعي.
آمن صبري" بأن العمل الفني شكل من أشكال المعرفة، وإجراء جمالي يكشف الواقع الموضوعي عبر وسيلة "الطبيعة"، كونها هي مادته التجريبية، والتي يكمن فيها مستوى من العلاقات والقوانين القادرة على خلق التفكير الجوهري والتجريدات والمفاهيم التفسيرية.


افتراضات 

اقترح محمود صبري العديد من المنطلقات لتأكيد دور نظريته من أجل فن آخر، حيث يكون مشغل الفنان يماثل مختبر العالم، والظاهرة الذرية بديلا من المشهد المرئي. دور يجعل اكتشافات العلم في متناول المتلقين، كما يؤكد وظيفة المعرفة العلمية في الفن ودور الأخير في إثرائها، وردم الهوة المصطنعة التي تفصل الفن عن المجتمع، حيث التفاعل مع الطبيعة يكون في مستوى التحول من الموضوع إلى العملية ومن الشكل إلى التركيب، ليصل بالبحث إلى نوع جديد من الحساسية الجمالية تجاه العالم.
رؤية يتجاوز فيها الفهم التقليدي العلاقة الطبيعية مع الفن وفي إطار التجربة المباشرة للإدراك الاعتيادي، الذي كان ينظر إلى الطبيعة شكلا مغلقا وليس عملية متواصلة ومفتوحة أبداً.
إضافة إلى تجاوز النظرية للتعارض الوظيفي والمعرفي في مجال العلم والفن، بذريعة أن الأخير تجربة تعتمد الخبرة الذاتية بمكوناتها الانفعالية والتعبيرية وصفة الفرادة فيها، فيما العلم معرفة قائمة على الخبرة الموضوعية والملاحظة المختبرية الصادقة للتجربة ومقدماتها.


مقولات الفنان

  كتب محمود صبري: "الفن هو الشرط الأبدي الذي تفرضه الطبيعة على الإنسان"، "إن العمل الفني هو شكل من المعرفة"، "إن واقعية الكم تسد حاجة جديدة معاصرة، الحاجة إلى فن يمثل روحية الإنسان المعاصر الذي يخترق حاجز عالم المظاهر ويقف على عتبة عالم جديد غريب لم يعرف عنه إنسان الماضي شيئا"، "الفن يكيّف خيال الإنسان، لذا فهو يكيّف الصور أو المفاهيم الفكرية التي يخلقها والتي يحققها ويجسدها في إنتاجه المادي"، "تطور تفاعل الإنسان مع الطبيعة، يكشف عن حقائق حسية جديدة، وهذه تتطلب تجريدات فكرية جديدة، بكلمة أخرى، انه يؤدي إلى تعميق المعرفة البشرية بشكليها الفني والعلمي"، "الفن يتحرى الطبيعة كي يرسم صورة لفهمه لها، تؤثر في الإنسان وتصبح جزءا من تجربته الحسية ووعيه. إنه بذلك يصبح أغنى حسا وخيالا، وأكثر معرفة بالواقع، وأكثر قدرة على السيطرة عليه وتغييره وفقا لحاجاته ورؤاه".


الحقيقة والثناء

بعد ظهور نظرية "واقعية الكم" في بداية السبعينات، أثارت اهتماما لافتا في المشهد التشكيلي العراقي. بعضه كان لجهة الترحيب بها بوصفها تجربة جمالية غير مسبوقة، عربيا على الأقل، في منطلقاتها النظرية والتجريبية، وبعضه الآخر، كان مختلفا بأسباب العديد من الأسئلة والاعتراضات التي تعلقت بموضوعتها الأساسية أو قبول نتائجها الشكلية والفنية، المنطلقة من صياغة الحس الفني عبر رؤية يكون العلم فيها شرطا أوليا لتحقيق التجربة التشكيلية والانجاز الفني الذي تسعى الى تحقيقه.
كان أكثر تلك الاعتراضات شمولية، دراسة الكاتبة بديعة أمين التي نشرت في "مجلة آفاق عربية" (آذار 1977" بعنوان "واقعية الكم في متاهة اللامرئيات". فهي تذكر عن النظرية، أنها ادعت مهمة "تتجاوز قدرتها وإمكاناتها وأدواتها ببساطة أن تحل محل العلم قبل أن تكون مؤهلة لذلك... حين تكون هناك أبجدية للفن، حين تكون هناك جداول رياضية وفيزيائية ومعادلات كيميائية".

يمكن أيضا إعادة صياغة خلاصة أخرى، من جيلنا نحن، الذي لم يشهد الجدل الذي دار في ذلك الزمن السبعيني الهانئ. فأعمارنا لم تكن تتجاوز العقد من السنوات، ولم  ندرك بدقة عديد الأحداث الثقافية والفنية التي غمرت تلك المرحلة، إلا من خلال المقالات وأدلة الفنانين السابقة.
أمر لا يتعلق بلحظة استذكار فقط، بل بأسباب مطالبة ثقافية راهنة إحداها، علاقة النظرية مع الفن ذاته الذي بدأ منذ ما يقارب النصف قرن، باستلهام التجارب والكشوفات العلمية والتقنية في منجزه، كما في تجارب ما بعد عد الحداثة، وهي اتجاهات أصبحت مهيمنة حاليا في الفن العالمي. وأخرى، من اجل مقاربة تعاين الفن بوصفه معرفة، وليس الاكتفاء بتلقي الفن من خلال الذائقة، وهي أطروحات لا تزال الأكثر تداولا وتضمينا في النظريات الجمالية المعاصرة.
حسنا، ثمة العديد الذي يمكن الاختلاف عليه:

- مطالبتها الفن بالتحول نشاطاً موضوعياً، وتوظيف مقاصده  إلى مستوى الحقائق العلمية، المحايدة. ما يعني معاملته كحقل لتطبيق الأفكار وليس في وصفه مجالاً قابلاً لابتكار موضوعات  صورية تستثمر التعبير وفق خبراتنا وحساسيتنا الجمالية.
- تأطير الخيال وحريته بمفردات شكلية تكرر حضورها إلى ما لا نهاية، حيث تمثيلات التعبير هنا وأدواتها تخلص إلى غرض وحيد، هو تصوير حقيقة ذرية، داخلية، لعالم غير مرئي.
- إنكارها المتحف الخيالي للفنان، وعدم قبولها أي تراث سوى تراثها الخاص، بأسباب خلق تراث جديد، لمجتمع إنساني يقف على أبواب طفرة معرفية، وبأشكال وعي تختلف جذريا عن أشكال الوعي الماضي. وعي يحتكم إلى مقولة أن الفن ليس إلا أداة في يد العلم وعليه أن يحافظ على مهمته الأخيرة: السيطرة على الطبيعة وتغييرها، عبر فعل إجرائي يقوم على فهم النظام الذري وتصوير طيفه بطريقة مختارة لعناصر فيزيائية موجودة في العالم.

- حتى وإن احتفظ الفنان بحق تجريد لوحاته من الصفات الشكلية الظاهرة، إدراكا للجوهري والخالص في تجربته، لا يمكنه عقد علاقة يكون فيها الفن إحدى أدوات العلم وذريعة جمالية له. مثل هذه، علاقة لا تخلو من مقاومة الفن ذاته لتقويضها.
- انغلاقها على منطلقاتها الأساسية الأولى وعدم انفتاحها على التجارب المعاصرة وفنون ما بعد الحداثة التي استفادت من التوجهات والمنجزات التقنية والعلمية.
حتى وإن أنكرنا أن الفن كواقع جمالي فريد لا يمكن مقايضته باهتمام موضوعي اسمه "العلم"، تبقى "واقعية الكم" أحد تلك الاجتهادات النظرية التي رغبت  بتزويدنا معرفة جمالية يتضافر فيها العلم والفن معا، من اجل الاقتراب إلى هذا العالم بطريقة راسخة. وهي تدلنا أيضا الى إمكان التعلم من فكر الفنان في بحثه عن الحقيقة عبر محاولة تأصيل معرفة جديدة.
إن تجربة الفنان هي أيضا محاولة فريدة للتعبير عن الحياة.


واقعية المحترف الفني

هنالك بداهتان تأصلتا في فضاءات المحترف التشكيلي العراقي، الأولى هيمنة الفنان المعلم على نجيبه طالب الفن النبيه. أو كما يذكر الشاعر بلند الحيدري من خلال صفة في الأستاذ المتحكم بصنعته، وصفة في الطالب الذي يجد نفسه كل يوم أمام امتحان جديد.
في كتابه "الفنان والآخرون" وصف شاكر حسن آل سعيد أستاذه  جواد سليم بأبيه الروحي، ذاك الذي شاركه في صياغة البيان الأول لـ"جماعة بغداد للفن الحديث – 1951. إن عديد الخطب ومقالات النقد التي كان يكتبها آل سعيد في فترات زمنية مختلفة، عن تلك الجماعة وأثرها في إضفاء سمة خاصة على احد اتجاهات المنجز التشكيلي العراقي، كانت أيضا بدواعي تبجيل أستاذه جواد، الفنان والمعلم معا.
البداهة الثانية تأصلت بتعزيز التأثير الذي يلحقه الجيل السابق من الفنانين بالذي يليه، مثل هذا الأمر كانت ترفده المعارض الفنية الشخصية منها والجماعية على السواء، وحلقات النقاش في التجمعات الفنية ومشاغل الفنانين الخاصة. كان كل جيل يراقب اتجاهات الآخر ويغذيه بالتأثير البصري المشترك.
سمتان لم يتحصل عليهما الفنان محمود صبري: انه لم يكن معلم فن ولا حاضرا في سجالات الأجيال الفنية العراقية. كان بمفرده دائما حتى في الصور الفوتوغرافية المتاحة عنه.
ولكن هل مثل هذه البداهات لا تزال قائمة بعدما هاجرت أجيال من الفنانين العراقيين إلى اتجاهات الأرض الأربعة، فيما باتت مشاغلهم خالية إلا من تباريح الغربة؟   
أحدق الى صورة هذا الخلاّق البغدادي الذي لم يخل من وسامة الفنان والعارف حتى بعد تجاوزه الثمانين من العمر، وأفكر: كان خاصا في بعده وبعيدا قليلا في خصوصيته الجمالية. كان هو ذلك المنظر الذي انشغل بهمّ وحيد: أن تكون لوحاته معنية بوقع أفكاره الصارمة. 

• انظر، محمود صبري، "الفن والإنسان، دراسة في شكل جديد من الفن، واقعية الكم"، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، دمشق، ط2، 1991.

سعد القصاب